لماذا المركز الدولي لمبادرات الحوار

بعد الآمال الكبيرة التي رافقت الربيع العربي وخيبات الأمل التي تلته، دخلت منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار بسبب الحروب الأهلية في كل من سوريا وليبيا واليمن، حيث باتت هذه البلدان ساحة لثلاثة من أخطر الصراعات في العالم. ولم تتمكن المساعي الدبلوماسية التي قامت بها كل من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية وغيرها، من تحقيق اختراق يذكر في محادثات السلام. ففي سوريا، تفتقر عملية السلام إلى معالجة شاملة تفضي إلى اتفاق سياسي، ويغلب التركيز على إيصال المساعدات الإنسانية، بينما يسود بين جميع الأطراف انطباع بعدم مصداقية القائمين على الوساطة. وفي ليبيا واليمن، لا توجد عملية سياسية يمكنها وصفها بالحقيقية، وبعض الأطراف الرئيسية في النزاع لا تشارك بشكل جدي في العملية. وبينما تترنح عمليات السلام في هذه البلدان، فإن العواقب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية تزداد سوءا، وتتزايد معها التوترات الدولية والإقليمية.
وعلى عكس مناطق أخرى من العالم، لم تقم المنظمات الإقليمية ودون الإقليمية في العالم العربي (منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي) في السنوات الأخيرة بأي دور ذي مغزى في الوساطة في النزاعات التي تعصف بالمنطقة. ونتيجة لذلك، أصبحت تلك المنظمات مهمشة إلى حد كبير ولا تملك رأيا أو قولا فيما يجري. فالجامعة العربية مشلولة وتعيش حالة من الفوضى، ويعكس وضعها الانقسام والتشاحن المستمرين بين أعضائها. أما مجلس التعاون الخليجي الذي كان يتوفر حتى وقت قريب على فرصة للتطور كمنظمة إقليمية فعالة، فقد أصبح منقسما الآن وغير قادر على الاضطلاع بدور الوساطة، بل إن بعض أعضائه تحولوا إلى أطراف في النزاعات المسلحة في دول مثل اليمن وليبيا. ولك يعد اتحاد المغرب العربي موجودا إلا بالاسم، واثنان من أعضائه – المغرب والجزائر – مستهلَكان منذ عقود في خلاف مرير وحدودهما مغلقة منذ أكثر من ربع قرن. ونتيجة لذلك، كانت جميع جهود الوساطة في شمال أفريقيا من نصيب الجهات الدولية والغربية مع معدل تغيير مرتفع للدبلوماسيين الذين لديهم في الغالب معرفة محدودة بالمنطقة.
على النقيض مما سبق، قدمت تونس نموذجا واعدا لإمكانية نجاح التحول الديموقراطي بعد الربيع العربي. فقد فاز الرباعي الراعي للحوار، المكون من منظمات محلية للمجتمع المدني، بجائزة نوبل للسلام بفضل وساطته الناجحة التي ساعدت على تقدم الانتقال الديمقراطي السلمي. وقد تحقق ذلك دون أي تدخل من قوى أجنبية أو من الأمم المتحدة.
والغائب الأكبر عن جميع عمليات الوساطة التي تقودها أطراف خارجية في الصراعات المستعرة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط هم سكان المنطقة، أكبر المتضررين من الأوضاع القائمة والمجبرين على العيش مع عواقبها الوخيمة على المدى الطويل. وتجدر الإشارة إلى أن دول المنطقة تزحر بنخبة غنية من الخبراء والمفكرين والدبلوماسيين والأكاديميين وكبار القادة السياسيين الذين يحظون في كثير من الأحيان باعتراف دولي لكنهم نادراً ما يُمنحون الفرصة للمساهمة في الوساطة التي يقودها الأجانب في بلدان منطقتهم.
وتتوفر معظم مناطق العالم على مؤسسات فكرية إقليمية راسخة تجري أبحاثًا حول عمليات السلام، ومنع النزاعات، والوساطة. ورغم وجود عدد من معاهد البحث المستقلة وذات المصداقية الموجهة للسياسات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إلا أنه ليس من بينها، على حد علمنا، من يتخصص في الوساطة وحل النزاعات. وبينما تواجه الجهود الدبلوماسية تحديات معقدة تتعلق بالوصول إلى أطراف النزاع، والحياد والتأثير، لا يتم إنتاج إلا نزر قليل من البحث أو التحليل السياسي حول كيفية الانخراط بشكل منهجي مع أكثر الفصائل المتحاربة ميلا للنزاع والانقسام، والتي بدون مشاركتها، لا يمكن نجاح عمليات الوساطة. بالإضافة إلى ذلك، لم تبذل أي جهود تقريبًا لتعزيز مسار الديبلوماسية الموازية من داخل المنطقة على الرغم من حدة الصراعات وعواقبها المدمرة على الملايين من الناس.

لماذا المركز الدولي لمبادرات الحوار

بعد الآمال الكبيرة التي رافقت الربيع العربي وخيبات الأمل التي تلته، دخلت منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار بسبب الحروب الأهلية في كل من سوريا وليبيا واليمن، حيث باتت هذه البلدان ساحة لثلاثة من أخطر الصراعات في العالم. ولم تتمكن المساعي الدبلوماسية التي قامت بها كل من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية وغيرها، من تحقيق اختراق يذكر في محادثات السلام. ففي سوريا، تفتقر عملية السلام إلى معالجة شاملة تفضي إلى اتفاق سياسي، ويغلب التركيز على إيصال المساعدات الإنسانية، بينما يسود بين جميع الأطراف انطباع بعدم مصداقية القائمين على الوساطة. وفي ليبيا واليمن، لا توجد عملية سياسية يمكن وصفها بالحقيقية، وبعض الأطراف الرئيسية في النزاع لا تشارك بشكل جدي في العملية. وبينما تترنح عمليات السلام في هذه البلدان، فإن العواقب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية تزداد سوءا، وتتزايد معها التوترات الدولية والإقليمية.

وعلى عكس مناطق أخرى من العالم، لم تقم المنظمات الإقليمية ودون الإقليمية في العالم العربي (منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي) في السنوات الأخيرة بأي دور ذي مغزى في الوساطة في النزاعات التي تعصف بالمنطقة. ونتيجة لذلك، أصبحت تلك المنظمات مهمشة إلى حد كبير ولا تملك رأيا أو قولا فيما يجري. فالجامعة العربية مشلولة وتعيش حالة من الفوضى، ويعكس وضعها الانقسام والتشاحن المستمرين بين أعضائها. أما مجلس التعاون الخليجي الذي كان يتوفر حتى وقت قريب على فرصة للتطور كمنظمة إقليمية فعالة، فقد أصبح منقسما الآن وغير قادر على الاضطلاع بدور الوساطة، بل إن بعض أعضائه تحولوا إلى أطراف في النزاعات المسلحة في دول مثل اليمن وليبيا. ولا يعد اتحاد المغرب العربي موجودا إلا بالاسم، واثنان من أعضائه – المغرب والجزائر – مستهلَكان منذ عقود في خلاف مرير وحدودهما مغلقة منذ أكثر من ربع قرن. ونتيجة لذلك، كانت جميع جهود الوساطة في شمال أفريقيا من نصيب الجهات الدولية والغربية مع معدل تغيير مرتفع للدبلوماسيين الذين لديهم في الغالب معرفة محدودة بالمنطقة.
على النقيض مما سبق، قدمت تونس نموذجا واعدا لإمكانية نجاح التحول الديموقراطي بعد الربيع العربي. فقد فاز الرباعي الراعي للحوار، المكون من منظمات محلية للمجتمع المدني، بجائزة نوبل للسلام بفضل وساطته الناجحة التي ساعدت على تقدم الانتقال الديمقراطي السلمي. وقد تحقق ذلك دون أي تدخل من قوى أجنبية أو من الأمم المتحدة.
والغائب الأكبر عن جميع عمليات الوساطة التي تقودها أطراف خارجية في الصراعات المستعرة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط هم سكان المنطقة، أكبر المتضررين من الأوضاع القائمة والمجبرون على العيش مع عواقبها الوخيمة على المدى الطويل. وتجدر الإشارة إلى أن دول المنطقة تزحر بنخبة غنية من الخبراء والمفكرين والدبلوماسيين والأكاديميين وكبار القادة السياسيين الذين يحظون في كثير من الأحيان باعتراف دولي لكنهم نادراً ما يُمنحون الفرصة للمساهمة في الوساطة التي يقودها الأجانب في بلدان منطقتهم.
وتتوفر معظم مناطق العالم على مؤسسات فكرية إقليمية راسخة تجري أبحاثًا حول عمليات السلام، ومنع النزاعات، والوساطة. ورغم وجود عدد من معاهد البحث المستقلة وذات المصداقية الموجهة للسياسات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إلا أنه ليس من بينها، على حد علمنا، من يتخصص في الوساطة وحل النزاعات. وبينما تواجه الجهود الدبلوماسية تحديات معقدة تتعلق بالوصول إلى أطراف النزاع، والحياد والتأثير، لا يتم إنتاج إلا نزر قليل من البحث أو التحليل السياسي حول كيفية الانخراط بشكل منهجي مع أكثر الفصائل المتحاربة ميلا للنزاع والانقسام، والتي بدون مشاركتها، لا يمكن نجاح عمليات الوساطة. بالإضافة إلى ذلك، لم تُبذل أي جهود تقريبًا لتعزيز مسار الدبلوماسية الموازية من داخل المنطقة على الرغم من حدة الصراعات وعواقبها المدمرة على الملايين من الناس.