Blog

الاقتصاد السياسي للصراعات

على مدى عقود، كان الإطار المُهيمن المتعلقُ بإصلاح اقتصادات البلدان النامية عبارةً عن مجموعة مُقيِّدة من التدابير التي تهدف إلى تعزيز الحكم الرشيد، والتقشف المالي، وخفض عجز الموازنة العامة، ورفع وتيرة الخصخصة. وبشكل عام، طغت مفاهيم اقتصادات السوق كوسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، ومساعدة البلدان النامية الواقعة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية. وكان يُنظر إلى تحرير التجارة، وخصخصة الاقتصاد، بما في ذلك القطاعات الاستراتيجية والقطاعات التي تقدم الخدمات الأساسية للمواطنين، فضلاً عن تحرير القيود المالية، ينظر إليها على أنها أفضل علاج للعلل المزمنة الكثيرة المُلِمَّة باقتصادات المنطقة، وأحسن محفز للنمو الاقتصادي و للتنمية.

كان يُتوقع للإصلاحات المعتمدة دوليًا التي نفذتها العديد من حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تؤدي إلى الازدهار الاقتصادي، ودمقرطة الدول والمجتمعات، وتعزيز الاستقرار في المنطقة، والقضاء على المشكلات الاجتماعية مثل الفقر المدقع والتهميش، فضلاً عن تحديث الاقتصادات وتسهيل اندماجها في نسيج الاقتصاد العالمي. اليوم، يتفق الخبراء الدوليون مع الفاعلين المحليين في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على القول إننا بعيدون كل البعد عن هذا الهدف. وكانت شعوب المنطقة، في الفترة التي سبقت الانتفاضات العربية لعام 2011 كما في الفترة التي تلتها، تشعر بالطبيعة الملحة لإعادة النظر في هذه السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وتوسيع أفق التفكير حول خيارات السياسات لتمكين الدول العربية من مواجهة التحديات الاقتصادية والمجتمعية، والخروج -في نهاية المطاف- بمجتمعاتها من براثن اللامُساواة والإقصاء، والغياب الهيكلي لفرص التمكين، والفقر والصراعات. ويعني هذا الأمر بشكل خاص ضرورة بحث رؤى ووجهات نظر جديدة، وتوسيع المساحة المخصصة لنقاش عمومي صحي حول السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها تحقيق التنمية المستدامة والشاملة للجميع.

ويُظهر التحليل العميق للسياسات الاقتصادية المعمول بها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -منذ عام 2000 على الأقل- كيف قوضت مشاكل النمو والبطالة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وأثرت سلبًا على التماسك الاجتماعي. وقد ازداد هذا الوضع سوءا بعد عام 2011 في العديد من بلدان المنطقة. وتستند النُّظم الاجتماعية والاقتصادية لهذه الدول إلى مزيج من السياسات التي تقوم على مبدأ التقشف الاجتماعي والاقتصادي، وتلبية شروط المصداقية النقدية وانضباط الميزانية، وعلى سياسة هيكلية تهدف إلى الرفع من المنافسة والمرونة في أسواق الائتمان والمنتجات والعمل. ومن خلال تقييم الأداء العام لمعظم اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يمكن للمرء أن يكشف عن مثلث غير مريح بين حوكمة الاقتصاد الكلي والإصلاحات الهيكلية من ناحية، ومن ناحية أخرى، ديناميكيات النمو التي يُفترض أن تحفزها هاتان الرافعتان. حيث يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي بطيئًا، ويعتمد على القيمة المضافة للزراعة أو السياحة أو تصدير الموارد الطبيعية. كما لا يزال بعيدا عن التعبير عن نفسه في إنجازات ملموسة في مجال التنمية البشرية. وقد عانت معظم اقتصادات المنطقة من التقلبات المزمنة، ومن العجز عن خلق فرص العمل اللازمة لاستيعاب الأعداد الكبيرة من العاطلين، والأهم من ذلك كله، من التزايد المضطرد في أعداد الشباب.

يترافق هذا العجز في تنشيط الاقتصاد بعدة آثار سلبية من قبيل البطالة، وصعوبة الوصول إلى الموارد، وتقييد الحق في التعليم والصحة. كما يقترن بتفاوتات اجتماعية واقتصادية متزايدة أدت في النهاية إلى تأجيج صراعات في بعض بلدان المنطقة اعتبارًا من 2011. وتشكل حالة تونس مثالا حيا على ذلك سواء من حيث السياسة والأداء الاقتصاديين، أو من حيث التكلفة الاجتماعية والعجز الديمقراطي.

تقدم ”مقاربة القدرة“ للاقتصادي الهندي”أمارتيا سن“ -من خلال التركيز على الحقوق العقارية ودور المؤسسات- إطارًا مناسبًا لدراسة الروابط بين نظام السياسة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي في الحالة التونسية. ويمكن لهذه المقاربة أن تلقي الضوء على هذه الروابط بثلاث طرق. أولاً ، يُعتبر الاستمرار المزمن لظاهرة الوصول المحدود إلى سوق العمل وعبر دفعات فقط، والتفشي المهول للبطالة في أوساط الشباب، واتساع رقعة الهشاشة، وزيادة عدم المساواة، عقباتٍ تحول دون تحقيق الناس لتطلعاتهم وممارسة حرياتهم الأساسية. ثانيا، يظهر الصراع الاجتماعي كرد فعل على عدم المساواة في القدرات، ويؤدي إلى ارتفاع مطالب الحصول على حقوق الائتمان كدرع للحماية من الضعف. وأخيرًا ، يختبر العجز الاجتماعي-السياسي كفاءة المؤسسات الاقتصادية وقدرة هياكل الدولة على احترام التزاماتها والسيطرة على كل ما من شأنه التأثير على التماسك الاجتماعي.

للحد من المخاطر التي تتربص بالمجتمع، لا بد من إعادة توجيه الحكامة الاجتماعية والاقتصادية، ووضع مكافحة البطالة الهيكلية والمزمنة والتفاوتات الناتجة عنها في مقدمة السياسات العامة. لقد أصبح التأكيد على قصور السياسات النقدية والمالية،كتلك المتعلقة بالتغيرات في هياكل السوق، متكررا الآن في دراسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وتتم الإشارة بشكل متزايد إلى التأثير السلبي لتقييد الإنفاق العام، والدور الضار للإصلاحات ”النيو-ليبرالية“ في تكريس اللامساواة، كعوامل تؤثر بشكل عكسي على النمو المحتمل وتخلف آثارا اجتماعية خطيرة. وعليه، بات ضروريا إعادة النظر في مزيج السياسات القائمة بهدف تعزيز فرص الشغل ودعم النشاط الاقتصادي الذي يخدم تنمية بشرية أكثر إنصافًا وشمولا. ولهذه الغاية، يبدو مناسبا اعتماد قواعد مرنة لضمان استجابة أفضل للتطورات الدورية وتداعياتها الاجتماعية. ينبغي توسيع هامش المناورة لدى الدولة من خلال سياسة مالية تهدف إلى توسيع نطاق الميزانية الذي يحدده صندوق النقد الدولي على أنه ”الحيز المتاح للدولة لتخصيص الموارد للإنفاق دون المساس بوضعها المالي واستقرار الاقتصاد الكلي“. ويمكن تحرير الموارد عن طريق الحد من التسامح مع التهرب الضريبي، وتعزيز الحوافز لاحترام القانون. في الوقت نفسه، يجب العمل على تحسين المقاربة القائمة على التدرج في فرض الضرائب، وتضييق المجالات الخاصة مع إخضاعها لشروط الأداء. في ظل هذه الظروف، يمكن أن يصبح الإنفاق العام بمثابة الرافعة الأساسية لدعم الإنتاجية الاقتصادية والنمو، سواء من خلال الاستثمار في البنية التحتية وأنشطة الابتكار أو من خلال التعليم والخدمات الصحية.

إن الخيار المؤيد لإعادة التوزيع يبدو مبررا بشكل كبير، ليس فقط للحد من اللامساواة، ولكن أيضًا لتهيئة الظروف لدعم النمو طويل الأجل وبالتالي لدعم التنمية. وبهذا المعنى، فإن مكافحة البطالة تتطلب اتخاذ إجراءات لصالح المقصيين من سوق العمل ولفائدة الأجراء محدودي الدخل. ولأن القطاع الخاص -أيا كانت حركيته- غير قادر لوحده على تلبية الطلب على الشغل بشكل كامل، على الدولة أن تضطلع بدور موفر الوظائف كملجأ أخير. وهناك نسبة كبيرة من الخريجين المؤهلين يشغلون وظائف لا ترقى لمؤهلاتهم، ويمكن أن يسهم الاستثمار في التدريب وإعادة توزيعهم على الوظائف العامة في مكافحة هذا النوع من عدم المساواة. إن أداء صيغة الحكم القائمة منذ أكثر من عقدين تُرجم إلى آثار اجتماعية سلبية باهظة الكلفة، وشكل على نحو متزايد مصدرا للصراعات. ومن الممكن تصميم وتنفيذ سياسات مختلفة شريطة أن يحرر صانعو السياسات أنفسهم من الأفكار والرُّؤى المؤسسة للسياسات القائمة، والتي تظل مهيمنة على الرغم من السجل السيئ الناجم عن تطبيقها.

تستدعي العلاقة بين السياسات الاجتماعية والاقتصادية من جهة واندلاع الصراعات من جهة أخرى تجديدا في التفكير في مجال الاقتصاد السياسي للتنمية، وفي القضايا ذات الصلة على الصعيد العالمي وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحديدا. ويمكن لتشخيص التجارب السابقة والدروس المستفادة عالميا من عدد من الأزمات المستعصية أن يقدم منظورات جديدة في هذا الصدد.

Author

ICDI Admin