Blog

ضعف أنظمة الحكم واحتدام الصراعات: كسر الحلقة المفرغة

هنالك علاقة عضوية بين النزاعات وضعف الحكم. يغذي أحدهما الآخر، ويُنشئان معا حلقة مفرغة من الصراع العنيف: يُفاقم الأخير من هشاشة أنظمة الحكم، ويزيد من إضعاف الدولة -الضعيفة أصلا- ومؤسساتها غير الفعالة، ويعود بذلك إلى العامل المؤسس لاندلاع الصراع في المقام الأول. وفي بيئة الصراع، من الصعب جدًا إحداث التغيير، ورسم مسار نحو الإصلاحات والاستقرار الاجتماعي والسياسي والسلام الدائم.

قد تواجه الدول الهشة، وبعضها أنظمة سياسية ناشئة أو مترنحة، العديد من العقبات في تحقيق أي شيء قريب من السلام القابل للاستمرار، ناهيك عن تحقيق التنمية المستدامة، في غياب إطار مؤسسي قوي وفعال قائم على سيادة القانون. العنف الصريح الذي يرتكبه الفاعلون غير الحكوميون، واحتمال اضطرار  أعداد كبيرة للنزوح، وضعف البنية التحتية الحكومية أو غيابها، والفرص المحدودة للوصول إلى الخدمات الأساسية،… كلها أعراض للمرض الأساسي، أي ضعف الحكم والمؤسسات العامة. من ناحية أخرى، في بيئة ما بعد الصراع،كثيرا ما تفتقر المؤسسات العامة الرئيسة المسؤولة عن عملية إعادة إعمار البلاد لأبسط أنظمة المساءلة والرقابة وسيادة القانون. وتحتاج هذه المؤسسات إلى الدعم والإصلاح لتكون قادرة على الاضطلاع بأدوارها في خدمة المواطنين وتحقيق السلام المستدام، وبالتالي في كسر الحلقة المفرغة التي تخلقها العلاقة بين الحكم غير الرشيد والصراع، ذات الحلقة المفرغة التي دمرت، ولا تزال، عددا من المناطق حول العالم بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

لقد أصبحت النزاعات المسلحة المستعرة داخل الدول تشكل على نحو متصاعد التهديد الرئيس للسلم والأمن الدوليين. فمنذ نهاية الحرب الباردة، كان هناك 95 صراعًا مسلحًا في جميع أنحاء العالم، 87 منها كانت حروبًا أهلية بصيغة أو بأخرى، بينما وضعت ثمانية صراعات فقط دولا في مواجهة بعضها البعض. وبين عامي 2015 و 2016، كانت جميع الصراعات الستة عشر المسجلة تدور رحاها داخل الدول[1]. لقد نشرت الصراعات الداخلية الخراب وأسست لآثار مدمرة طويلة الأجل تتعدى مجرد إحداث خسائر بشرية ومادية، لأنها في غالب الأحيان ما تقود إلى الحلقة المفرغة من عدم الاستقرار المزمن ومن الصراع، لأنها تقوض قدرة الدول على التعامل مع الأسباب الجذرية للصراع. ويؤثر اتساع رقعة النزاعات والأزمات عالميا بشكل متزايد على العديد من المناطق، ويعكس مناخًا متزايدًا من عدم اليقين، لا سيما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتنطوي الأسباب والآثار المتعددة لهذه النزاعات على مجموعة من العوامل يرتبط معظمها بقصور الحكامة، وتفاقم المظالم الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن احتدام التنافس الجيوسياسي الدولي والإقليمي. بعض هذه العوامل راسخة تاريخيا في حين أن البعض الآخر هو نتيجة لتطورات أكثر حداثة. ويعد غياب ثقافة سيادة القانون، والانتهاكات المزمنة لحقوق الإنسان، وقلة الإنجازات التنموية، وضعف هياكل الحكم، وعدم فاعلية المؤسسات وإفلاتها من المساءلة، ولا سيما لجهة عجزها عن توفير خدمات عامة فعالة للمواطنين، من بين الأسباب المباشرة والعواقب الوخيمة -في آن واحد- في البلدان الغارقة في النزاعات. ومن المهم الإشارة إلى أن العواقب المباشرة للنزاع على المستوى الإقليمي تكون كارثية من حيث النطاق والأثر  على المديين القصير والطويل، لكنها تؤدي في الواقع كذلك إلى استعار ديناميكيات الصراع وتحشر البلدان التي تمر بأزمات داخل حلقة مفرغة من الاحتراب والقلاقل الداخلية.

تواجه المنطقة العربية شبكة مميتة من النزاعات المسلحة ذات الطبيعة الحادة والمعقدة والمتشابكة. فقد تعرضت الصومال والعراق وليبيا وسوريا واليمن للتشظي بسبب الحروب الأهلية التي تفاقمت بفعل السياسات الإقليمية والدولية. وتواجه العديد من البلدان الأخرى في المنطقة صراعات كامنة أقل حدة. ولا شك أن مخلفات العنف الدائرة رحاه حاليا ستستمر لعقود قادمة. إن 40 في المئة من البلدان العربية تعاني أو عانت من الآثار غير المباشرة للصراع العنيف في العقد الحالي. في سوريا قُتل أو جُرح زهاء 2.3 مليون شخص، أي 10 في المئة من السكان، ولا يعرف مصير آلاف آخرين. وبحلول عام 2015، فر نصف سكان البلاد -12 مليون شخص- وأصبحوا لاجئين أو نازحين داخليًا، في أكبر موجة لجوء ونزوح منذ الحرب العالمية الثانية. وفي هذه الحرب الضروس التي تستمر منذ أكثر من عقد من الزمان، تعرضت البنية التحتية للبلاد، بما في ذلك المستشفيات والمدارس، لأضرار جسيمة. أما نصف السكان المتبقي، فيعيشون في فقر مدقع (مقارنة بـ 13 في المائة فقط قبل النزاع)، وانخفض معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية من حوالي 100 في المئة إلى 60 في المئة. كما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 55 في المئة. لقد عانت جميع مؤشرات التنمية البشرية من تراجع كارثي.

في اليمن، أحال الصراع وضع سيئا في الأساس إلى وضع أسوأ بكثير. حيث يبلغ معدل الفقر متعدد الأبعاد 60 في المئة، بينما تضاعف عدد الأطفال المحرومين من التعليم في عام واحد فقط، وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 42 في المئة. كما يحتاج 14 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية دولية، وتعرف البلاد تفشيا لمرض الكوليرا فيما يعاني ثلثا الأطفال من سوء التغذية ويتم تجنيد الآلاف منهم للقتال في صفوف الجماعات المتحاربة.

وفي أتون ويلات مماثلة تعيش بلدان عربية أخرى، بعضها غني بالنفط مثل ليبيا والعراق. وهكذا، يقع اليوم واحد من كل خمسة أطفال عراقيين عرضة”لخطر الموت أو الإصابة أو العنف الجنسي أو الاختطاف أو الانخراط في جماعة متطرفة عنيفة” (اليونيسف، 2016). أما في ليبيا، وهي دولة غنية بالنفط وذات عدد محدود من السكان وجغرافية شاسعة، فتمزقها الحرب الأهلية وحروب الوكالة التي خلفت خسائر فادحة تكبدتها جميع شرائح المجتمع تقريبًا. ويقدر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنصف ما كان عليه قبل اندلاع الصراع، فيما يعاني حوالي 20 في المئة من الليبيين من انعدام الأمن الغذائي. وبينما تقبع فلسطين تحت نير أطول احتلال في العصر الحديث، تُحصي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حاليا 31 مليون لاجئ ونازح داخليًا، ويزيد خطر التحول إلى لاجئ في المنطقة 30 مرة عن الخطر الذي قد يواجهه المرء إذا ولد في أي مكان آخر في العالم.

من أجل رسم معالم طريق للخروج من الصراع نحو الاستقرار السياسي والسلام المستدام، يحتاج المرء إلى استكشاف الأسباب الجذرية، والدوافع المتكررة، والتعلم من أفضل الممارسات من جميع أنحاء العالم، حتى يتمكن من تصميم حلول مخصصة لكسر الحلقة المفرغة للصراعات المزمنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يجب أن تأخذ هذه الحلول في الاعتبار تجديد العقد الاجتماعي، والمؤسسات، والحكم الرشيد، وسيادة القانون، والإصلاح المؤسسي، وإضفاء الطابع المؤسسي على عملية صنع القرار، وكذلك التجربة التاريخية للمجتمعات المتقدمة والنامية، وأنْ تنظرَ في أزمة الدولة في العالم العربي والتحديات التي يطرحها إصلاح المؤسسات. وعلى سبيل المثال، يعتبر إصلاح قطاع الأمن قضية رئيسة باعتبارها مدخلا لا غنى عنه لإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع، كونه يحقق الاستقرار في البيئات الهشة ويوفر الأمن للأفراد ضحايا الصراع. ومع ذلك، فإن هذا الإصلاح يتطلب تخطيطًا دقيقًا ومراعاة لهياكل السلطة والعلاقات القائمة. علاوة على ذلك، تعتبر عمليات الحوار الوطني ضرورية للسماح للناس بوضع تصور لمستقبل سلمي يشمل الجميع،  ويعكسِ اتجاه التفاعلات الاجتماعية في المجتمعات المنقسمة. في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يبدو أن هذه الحوارات ضرورية بالنظر إلى الفشل، حتى الآن، في إنشاء أطر حكامة قوية وشاملة. ومع ذلك، ينبغي أن تكون عمليات الحوار الوطني الناجحة مملوكة محليًا وألا تُفرض من الخارج بأجندات متنافسة وغريبة. كما يجب إحاطتها بحد أدنى من الثقة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية للحؤول دون إفسادها أو إفشالها.

يمكن لمبادئ الحكم الرشيد أن تمنع بذور عدم الاستقرار والصراع من التجذر والإنبات. ومن بين قائمة طويلة من متطلبات الحكم الرشيد، لا بد من التشديد على بعض العناصر الرئيسة من قبيل المشاركة، والفعالية المؤسسية، والمساءلة، والشفافية، وسيادة القانون. إن تجميع هذه المبادئ هو الذي يساهم في بناء مجتمع سلمي. ففي نظام سياسي يسود فيه حكم القانون، يتمتع المواطنون بمكانة متساوية بموجب القانون بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو وضعهم الاجتماعي أو قوتهم الاقتصادية. وتساعد المشاركة العامة بشكل كبير في التخفيف من مخاطر الصراع نظرًا لوجود منتديات عامة ومؤسسات وآليات للنقاش السلمي والتمثيل الفعال. ويمكن أن توفر المشاركة العامة من خلال المؤسسات العامة والاجتماعية رقابة على الحكومة وتساهم بالتالي في إخضاع السلطات السياسية للمساءلة. ويتم تعزيز هذه المساءلة من خلال سيادة القانون، التي تشمل كافة الإجراءات والمعايير والهياكل المؤسسية، و تجعل المواطنين والفاعلين العموميين مسؤولين عن أفعالهم أمام القانون وأمام مجتمعاتهم. إن الحكم الرشيد وإخضاع المؤسسات للمساءلة شرطان ضروريان لاستقرار الأنظمة السياسية ومنع الصراع.

لا توجد حلول سريعة وبسيطة عندما يتعلق الأمر بكسر الحلقة المفرغة للصراع وضعف أنظمة الحكم، حيث إن بناء أو إعادة بناء المؤسسات يتطلب جهدا شاقا ووقتًا طويلاً. ولتقوية الدول الهشة، لا بد من إنجاز المهمة الصعبة المتمثلة في بناء إطار حكم رشيد ومؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة، من خلال تعزيز المشاركة والمحاسبة والشفافية وسيادة القانون، إلى جانب تنفيذ الاستحقاقات الأخرى التي تساهم في استقرار المجتمع واستدامة السلم فيه.

Author

ICDI Admin