Blog

لبنان: نحو عقد اجتماعي جديد؟

تُظهر الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتداخلة والمتلاحقة في لبنان حدود نظامه السياسي القائم على التوافق، والذي يشبه بعض أنظمة الحكم المتبناة في بلدان تعاني من انقسامات عميقة ترسم حدودها الانتماءات الدينية أو الإثنية أو العرقية أو المناطقية، وكلها عوامل غالبا ما تكون غير مواتية للاستقرار السياسي أو لديمقراطية حكم الأغلبية. وفي الواقع، نظرًا لأن الانقسامات الاجتماعية والدينية والأيديولوجية في لبنان اعتُبرت عقبات أمام إقامة نظام سياسي قائم على مبدأ حكم الأغلبية، فقد بُني الميثاق الوطني اللبناني لعام 1943 بين المسيحيين والمسلمين على خاصيتين رئيستين: حكومة قائمة على تحالف كبير كترتيب مؤسسي يشارك بموجبه ممثلو قطاعات المجتمع المهمة في صنع القرار بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، والاستقلالية الجزئية في بقية القضايا. منذ ذلك الحين، يقوم النظام السياسي اللبناني على أساس التقسيم الطائفي للسلطات الدستورية والمناصب الإدارية، مما يضمن تمثيل المجموعات المتنوعة مع ما يرافق ذلك من شلل في صنع القرار.

ومع ذلك، ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن الآليات السائدة للرعاية والمحسوبية التي أنتجها هذا النظام ووفرت استقرارا نسبيا في الماضي، قد استنفذت دورها ولم تعد فعالة. والأنكى من ذلك، تحولت تلك الآليات إلى عامل للهشاشة المؤسسية وسببٍ للتقلبات السياسية. لقد أدت التركة الثقيلة من عجز السياسات الحكومية وإخفاقات التنمية إلى تراكم مظالم الناس، ما أدى في النهاية إلى احتجاجات حاشدة في أكتوبر 2019 بالإضافة إلى الاشتباكات العنيفة التي أعقبت كارثة مرفأ بيروت. هذا الانفجار الذي تسبب في مقتل أكثر من 150 شخصًا وتشريد أكثر من 300 ألف آخرين، جلب فجأة أنظار العالم إلى عمق العلل التي يعاني منها لبنان. كما بث الروح من جديد في حركة سياسية غير منظمة لكنها حقيقية، تطالب بتغييرات سياسية جذرية، تذهب أبعد من مجرد الإصلاحات التجميلية التي تقر التغيير فقط ليبقى كل شيء على حاله! اليوم، ينزل اللبنانيون من جديد إلى الشوارع بينما يتجه وطنهم، الذي كان أصلا في وسط أزمة اقتصادية وسياسية حادة عندما وقع الانفجار، بشكل خطير نحو المزيد من الفوضى والعنف.

إن الأزمة الحالية، ورغم كونها خطيرة إلى درجة تسببت في انفلات التضخم من عقاله وتكشير الجوع عن أنيابه واتساع رقعة الفقر متعدد الأبعاد، إلا أنها تولد من رحم هذا الحادث المؤسف فقط. هي بالأحرى نتيجة لتركة النظام الطائفي القائم على التوافق، ولـ 15 عامًا من الحرب الأهلية، ولثلاثة عقود من اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب لكنه فشلفي معالجة أسبابها الجذرية. لقد قدم الاتفاق الذي تم التفاوض عليه في المملكة العربية السعودية في سبتمبر 1989 الأساس لإنهاء الحرب الأهلية والعودة إلى “الحياة السياسية الطبيعية”في لبنان. وللأسف، فقد بني مبدأ تقاسم السلطة في الاتفاق على عيوب نظام الحكم القائم على الطائفة. ما أنتج توازنا هشا بين مختلف الطوائف، لا سيما المسيحيين والمسلمين، يقوده أمراء الحرب السابقون الذين أعادوا ضبط أنفسهم ليصبحوا قادة سياسيين. ما قام به اتفاق الطائف في الواقع لم يكن سوى إعادة إنتاج لنظام سياسي كان أحد مسببات الحرب الأهلية في المقام الأول. من الناحية الفنية نقلت الاتفاقية السلطة من رئاسة الجمهورية وأعطتها لمجلس وزراء مقسم بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين. كما تضمنت اتفاقية أمنية سورية لبنانية تمهد لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وتقضي بنزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وحلها. بمرور الوقت، أدى الاتفاق الذي كان ينبغي أن يؤسس لهوية وطنية جامعة أساسها الدولة والمواطنة، إلى ظهور مزيد من الهويات الدينية الضيقة داخل الطوائف نفسها، كما حصل مع  الشيعة والسنة، وكرس الضعف الذي كان يعتري الدولة اللبنانية بالفعل.

منذ ذلك الحين، استند النظام السياسي اللبناني إلى تقسيم طائفي دقيق للسلطات الدستورية و“المحسوبية السياسية“، وهو ما يضمن تمثيل مجموعات معينة لكنه يرسخ في نفس الوقت عدم الكفاءة المؤسسية. لقد زادت عيوب النظام الطائفي تفاقما منذ اتفاق الطائف عام 1989 الذي نجح في إنهاء الحرب فقط من خلال إعادة صياغة النظام المعيب نفسه. وهكذا أصبحت سوريا وسيط السلطة لفترة ما بعد الحرب ومُنحت الوصاية على لبنان. ونشأ بين الطائفتين المسلمتين الرئيسيتين في البلاد، السنة والشيعة، توتر سياسي أسس لمزيد من الانقسام. وبينما حاول المجتمع الدولي إدارة الانقسامات القديمة والمستجدة، انتهى به الأمر في نهاية المطاف إلى تعميقها. وقد تفاقمت الخلافات السياسية بين السنة والشيعة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وانسحاب سوريا عام 2005. وزاد من حدتها اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011. اليوم، وصلت الدولة اللبنانية إلى طريق مسدود إن لم تكن قد دخلت فعلا في حالة موت سريري. بعد عام 2005، تحجم الدور السوري الذي تم تصميمه للقيام بدور الحَكَم والمُنظم السياسي، وزاد تراجعا بعد أحداث 2011 التي أثرت على سوريا نفسها.

في الواقع، بعد ثلاثة عقود من الطائف، ساد خلالها الاعتقاد لدى غالبية اللبنانيين بأن نظامهم هو الأقل سوءًا مقارنة بجيرانهم، بدأت مساحة الشك تتسع لديهم، كون الخلل المزمن في أداء الدولة بدأ يثير التساؤل حول فعاليتها المؤسسية. ولذلك، يطالب كثير من اللبنانيين بإصلاحات جذرية ترقى إلى مستوى إصلاح شامل للنظام. والواضح أن الأزمة الحالية في لبنان تظهر الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يفضي إلى تغيير حقيقي ينهي النظام الطائفي ويؤسس للدولة المدنية والهوية الوطنية القائمة على المواطنة.

في المحصلة، يبدو أن الوقت قد حان للمجتمع الدولي كي يدرك أن كلاً من النظام التوافقي واتفاق الطائف قد استنفذا مهمتهما الأولية، وأن لبنان والمنطقة برمتها يوجدان اليوم في سياق مختلف تمامًا عما كان عليه الوضع من قبل. ما يستدعي، وبشكل عاجل، التوصل إلى ترتيب سياسي جديد كفيل بمنع انفجار وطني وإقليمي إضافي. ولا يمكن للجهود المبذولة لمنع لبنان من الانزلاق إلى صراع عنيف أن تنجح إلا من خلال إعادة هيكلة منهجية لنظام الحكم، وإجراء إصلاحات مؤسسية عميقة على أساس عقد اجتماعي جديد يتفق عليه اللبنانيون بعيدا عن أي تدخل خارجي. ولتحقيق هذا الأمر، لا بد من إجراء حوار وطني شامل ومستقل يتداول خلاله جميع اللبنانيين بحرية بهدف صياغة عقد اجتماعي توافقي يحدد التوجهات الإصلاحات الضرورية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإقامة نظام حكم فعال وخاضع للمساءلة باعتباره ضمانة لمنع الصراع وتحقيق التعافي. هذا العقد الاجتماعي الجديد، إذا ما كان نتاج حوار حقيقي لبناني-لبناني، سيختصر الطريق نحو الانتقال من حالة التوتر الاجتماعي المزمن والصراع إلى سلم اجتماعي دائم واستقرار سياسي يعلي قيم المواطنة والكفاءة والاستحقاق بدل تقاسم السلطة على أساس طائفي.

Author

ICDI Admin